مهدي أحمدي

18

الشيخ محمد جواد مغنيه

--> - يقيم الأود ، بعد أن ضقت ذرعاً بحياة البؤس والشقاء في قريتي المعدمة . . بعد يومين قضيتهما سيراً على قدميّ وصلت إلى بيروت عند الغروب ، وأوّل شيء استوقف نظري ، وأنا القروي ، كان منظر ( الترام ) ، فقد أُعجبت به ودهشت لمرآة . سرت في أسواق المدينة على غير هدى ، فألتقي صدفة أحد أبناء قريتي واسمه ( حسن ) ورحّب هذا بي ، فصحبني معه إلى الغرفة التي ينام فيها العمّال ، وكانت هذه الغرفة في إيجار امرأة عجوز من سكّان قريتي أيضاً . وكان ينام فيها أكثر من عشرين عاملًا ، يصطفّون كالسردين المعلّب ، فكانت العجوز تنام مع ولدها في زاوية من الغرفة ، وتنصب بينها وبين العمّال ستاراً من الحشيش أو شبهه ، وتتقاضى من كلّ عامل في الشهر أجراً معيّناً . سهرت تلك الليلة مع الكادحين ، نمت معهم بدون غطاء ولا وطاء . ونصحني بعضهم أن أبيع القصص والروايات ؛ لأنّي أعجز عن الأشغال الشاقّة . في صباح اليوم التالي ذهبت مع أحد الرفاق إلى بائع الكتب ، وأخبرته بحالي وما أُشير عليّ ، فأعطاني الكتبي حزمة من القصص : أبي زيد الهلالي ، وعنترة بن شدّاد ، وسير ذات العلم ، والسبع حصون ، وما إلى ذلك ، وحدّد لكلّ قصّة ثمناً ، حتّى إذا بعتها بأكثر أخذت الزائد ودفعت له السعر المعيّن . حملت تلك القصص ، ورحت أذرع الأسواق من ساحة البرج ، إلى باب إدريس ، إلى سوق الطويلة والميناء ، صائحاً منادياً على بضاعتي ، أعرض على هذا وذاك ، ولا أجد راغباً واحداً ، وإذا سامها أحد دفع ربع أو نصف الثمن الذي حدّده ليَّ الكتبي ، وهكذا أمضيت النهار على غير جدوى ، فأرجعت القصص إلى صاحبها كما هي ، وأستدنت خمسة قروش ثمن العشاء ، وفي المساء رجعت إلى غرفة العمّال ، وسألني أحدهم عمّا اكتسبت ، فأخبرته بما كان ، فقال لي آخر : جرّب حظّك ببيع ( الكازوز ) والمرطّبات ، عملت بنصيحته ، وجرّبت حظّي في اليوم الثاني ، فلم يكن بأسعد منه في اليوم الأوّل . وفي اليوم الثالث أخذت أذرع الأسواق هائماً على وجهي ، لا أدري ماذا أصنع ، يائساً من نفسي ومن أهلي ومن وطني . وفي اليوم الرابع مررت صدفة بولدٍ في سنّي يبيع الكعك ، تقدّمت وسألته : كم تربح في اليوم ؟ قال : مصروفي . -